السيد عباس علي الموسوي
389
شرح نهج البلاغة
والشرائع المتقدمة لم تبق على طهرها بل تلوثت وتحرّفت ودخلت فيها الخرافات والأساطير . ( أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه وأحذركم الدنيا فإنها دار شخوص ومحلة تنغيص ساكنها ظاعن وقاطنها بائن ) هذه هي الوصية الغالية لدى الإمام ولذا يكررها باستمرار . . . الوصية بتقوى اللّه لأنها الحصن الحصين عن كل رذيلة والحرز عن المهالك وبها يطيع الإنسان ربه ويدخل جنته . ثم حذرهم من الدنيا وذكر بعض عيوبها فقال : إنها دار لا استقرار فيها بل هي دار ارتحال سوف يرحل عنها الإنسان ويتركها إلى غيره وهكذا غيره سيتركها أيضا حتى تنتهي الدنيا . وكذلك هي دار تعب ونصب لا تصفو لأحد ، طبعت على كدر ولا ينال الإنسان لذة - إن كان هناك لذة - إلى بفوات أخرى بل كل ما فيها دفع للآفات ولا منافع فيها أصلا . ثم وصف الساكن فيها بأنه ليس بساكن فيها على وجه الحقيقة لأنه مرتحل عنها لا محالة وكذلك المقيم فيها فإنه مفارق لها وإن ظن أنه مقيم بل في عالم الحقيقة كلما مرّت عليه لحظة فإنه يفارق الدنيا فيها فإنه مقيم شكلا لكنه مفارق لها واقعا . . . ( تميد بأهلها ميدان السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار فمنهم الغرق الوبق ومنهم الناجي على بطون الأمواج تحفزه الرياح بأذيالها وتحمله على أهوالها فما غرق منها فليس بمستدرك وما نجا منها فإلى مهلك ) شبهّ حوادث الدنيا وطوارقها وما يمر على هذا الإنسان من فجائع ومصائب بسفينة لعبت فيها الرياح فقصفتها العواصف الهوجاء في عمق البحار وأوساطها فخربتها وكسرتها ومزقتها ووقع ركابها في تلك المصيبة العظيمة فمنهم من غرق وهلك وانتهت حياته من أول لحظات سقوطه في البحر لأنه لا يعرف السباحة ولم يتوفق بمنقذ يخلصّه . ومنهم من ساعدته قدرته فعرف السباحة وتعلّم فنّها أو تمسك بخشبة من خشباتها المكسورة فأخذت تدفعه الأمواج وتقذف به في كل ناحية حيث هبت الريح يندفع ويميل يرى المصائب والمخاوف وهكذا بقي حتى وصل إلى البر وتخلص من البحر . . . وعلى كل حال فمن غرق منها ومات لا يمكن تداركه وإعادة الحياة إليه ومن نجا منها وتخلّص من الموت فإلى الموت سينتهي أمره لا محالة ولا بد له من شرب هذه الكأس مهما امتد به الأجل وطالت به الأيام . . .